منتجع الساحرات


عنوان الكتاب : منتجع الساحرات

المؤلف : أمير تاج السر

الناشر : دار الساقي في لندن

الطبعة الأولى : 2015

الحجم : 3.2 MB

نُبذة عن الكتاب :

تطرح رواية منتجع الساحرات أسئلة عدة منها  هل يُصنع الحب من اللا شيء، من الوهم والأقدار والأحوال المتردية، من الفقر والقنوط والتلاشي؟ أم من التماسك، من الغنى والمقدرة على الإبهار والجاذبية، هل الحب هو مجمل مكوّنات الإنسان، هل هو الهواء الذي يحيط بالكائنات ليسحرها دون أن يعرف من هي، ما هو مكوّنها، ما هو جذرها وهُويّتها، هل الحب هو الهواء بحد ذاته، هل هو الخبز، أم هو الحياة بمجملها؟

من مكان متواضع، بسيط ومسكون بكائنات بسيطة، متواضعة وعاملة، تعمل يومياً وتكدح بغية الحصول على قوت يومها، يصنع الروائي السوداني أمير تاج السّر روايته الجديدة «منتجع الساحرات». وهنا يوحي العنوان دون شك، بالنساء الحوريات والجمال والغبطة الأنثوية المتمدّدة على الرمال، ملوَّحة بالشموس، وجمال الشواطئ، لكن الواقع هو غير ذلك، والاسم هو مجرد اسم لمكان قديم، سُمّي في ما بعد بساحة «المزاد» وهو حقاً كان كذلك، تباع فيه الأشياء القديمة والبالية والمسروقة. ويعج هذا المزاد بالناس الذين يبحثون عن ضالّتهم فيه، وهم سكان أهل الساحل، وسكان المدن المجاورة له، يستبدلون أشياء غالية الثمن بأخرى رخيصة وبالعكس، يتجادلون ويتصايحون ويتشاجرون حول هذه الأشياء المستهلكة. أنه مكان لامع، لمع فيه تجار وأسماء عرفها المزاد مثل إبراهيم عبد الله لحية المتخصص بالساعات والكاميرات، وغيره من الشخصيات الرّثة التي عرفها المكان.

تحولات المكان

في يوم ما، تقرر الدولة إلغاء المزاد برمته، لتحوله إلى مكان لمآوى السيارات، كراج للسفر العام، بين العاصمة والمدن والبلدات السودانية القريبة من الساحل، لا بل إلى مكان تحط فيه المركبات القادمة حتى من البلدات الأفريقية المجاورة، مثل أريتيريا وغيرها من الدول الأفريقية المُحاذية للسودان والتي تقع على تخومها.

على عجل وبشكل عشوائي، تنشأ العشوائيات التي تشكل معالم كراج السفر وملامحه الباهتة: أكشاك من صفيح وخشب وباطون، تقام لبيع تذاكر السفر، وأخرى لبيع الأطعمة السريعة والشاي وبيع المعدّات والمرطبات والحاجيات التي يحتاجها المسافر.

في هذا المكان الضاج بالمسافرين واللغط والهياج وثرثرة البائعين وزحمة سيارات النقل وطبائع المنتقلين من مكان إلى آخر، توجد مجموعة من النسوة اللائي يبعن الشاي، يجلسن قريباً من أكشاك بيع التذاكر، وهنَّ حواء وسعيدة وسيدة الجيل، بائعات مسنّات، تخطّين الستين، ليس لديهنّ سوى الذكريات التي تتحوّل من شدة تداولها إلى ثرثرة يومية، تطفو في المكان، وتلوكها الألسنة. جميعهن ولدن في منطقة الساحل في أحياء شعبية متجاورة، لهن حياة متشابهة، في كل شيء، كأسماء المواليد وطقوس الأعراس والختان، ولهن العادات والتقاليد ذاتها في نواحي الطبخ وارتداء الملابس، ولهنّ الهواجس والأحاسيس نفسها في مواسم الفرح والغياب والولادة.

هنا وفي هذا المكان تحديداً وهو مسرح الأحداث التي ستمر عليه، وهي كثيرة، أحداث حب وسجن ومؤامرات ومداهنات وقتل. إنه مكان صغير، ولكنه يعجّ بالحكايا والسرود البشرية التي يتداولها العابرون لهذا المكان. مكان لا يهدأ إلا في آخرة الليل، إنه يُذكِّر ومن خلال وصف الراوي المستتر، والمتحدث بصيغة الغائب أو بلسان شخصياته، بمواقف سيارات عربية كان قد شاهدها كاتب هذه السطور، مثل موقف سيارات «النهضة» في بغداد، وموقف سيارات «السومرية» في دمشق، وموقف سيارات «جسر الكولا» في بيروت، وموقف سيارات «الميدان» في القاهرة، وموقف سيارات «باب عليوة» في قلب تونس والقريب من «السوق العربي»، لذا وجدتني وأنا مستغرق في قراءة الرواية، كأنني حقاً أبحث مثل الآخرين عن سيارة فيه للسفر إلى وجهة ما، لشدة وصفه والدقة التفصيلية في بناء المشهد العام لموقف سيارات «منتجع الساحرات».

الشخصيات الفاعلة في المكان

يزخر المكان، أي موقف سيارات النقل، بالشخصيات التي ستلعب أدوارها في مساحته الصغيرة، والشخصيات في غالبيتها ميلودرامية، تتقلب بين رسم الملهاة والمأساة الإنسانيتين، مثل شخصية عبد الباسط شجر، وهو في الستين من العمر، معلم مدرسة ابتدائية سابق، وحالياً مراقب المكان، وعباس الموت، وناهوم العرجا، وعبد القيوم دليل جمعة، وهو سجين سابق ولص وذو سوابق، له كشك في المكان إياه، ويعمل في إبادة الجراد، بالإضافة إلى الشخصية المركزية ومحور العمل الروائي أببا الأريتيرية المهاجرة من موطنها، بحثاً عن الرزق والعيش وتوفير الأود. أما الشخصيات الهامشية، فهي كثيرة ولكنها تمر سريعاً في المكان والزمان، مخلفة طابع بصمتها في موقف السيارات وفي السجن وفي الجوار المتاخم لـ «منتجع الساحرات» مثل بائعات الشاي وإبراهام لولي وقمزحاي وقنديل شاعر الأغنيات، وناهوم الأثيوبي والدرويش، وهو الذي يدعي أنه كان وزيراً سابقاً، وعلولو، وهؤلاء جلهم يطمح بنظرة من أببا تسفاي، أو حركة ناعمة تندّ عنها، أوالتفاتة من طلعتها الجميلة وقدها المُغري.

في هذه الفوضى المتشابكة فوق مساحة الفقر المتسعة، المليئة بالبغضاء والحسد والتآمر، تحاك المؤامرات من أجل الفوز بالفاتنة الأريتيرية. الكل يسعى إليها، لمراضاتها حتى النساء، إما لغيرة منها، أو للتقرّب من وجودها الساحر والمدهش المُحيِّر للمكان، والملتهب بالرغبة، من قبل رجال يسعون إلى إيقاعها في فخّهم، أو القرب منها بالحلال، كما فعل عبد الباسط شجر الذي خطبها، وأرسل لها مهرها، وأقام الولائم لها، ولكن تبدّد كل ذلك الكرم والسخاء بعد رفضها له وسفرها وغيابها المفاجئ عن المكان.
الجميلة والمهاجرة الأريتيرية أببا تسفاي، المُلاحَقة بالعيون، سيقع في أسرها كل من يحيط بها ويراها، لهذا يدبّر عبد الباسط شجر، كونه الباسط سلطته على المكان، يدبر لرجل السوابق عبد القيوم تهمة ما، لكي يُدخله السجن، وينفرد هو بأحلامه ووقائعه اليومية في موقف السيارات مع تسفاي الجميلة، المُغوية والفاتنة وساحرة الرجال والذاهبة بعقولهم مذاهب شتى، هي المتعلمة والحاصلة على شهادة في تصميم الديكور وتنسيق الزهور والتطريز على القماش، لكنها الحرب التي تجعل الناس في غيابة من أمرهم، يجوعون وينوءون تحت وطأة عذاباتهم في أيام الحرب، وما تجلبه لهم من أوجاع ومصائب ومشاكل نفسية، وعلل جسدية، وحكايات موت ودمار وغياب أهل وأصدقاء وأحبة، هذا ما دفع بها إلى الهجرة نحو بلد هو الآخر يعاني من مآس حربية واقتصادية، وخريطته الجيوـ سياسية ممزقة وواقعة تحت فن الفتن والمؤامرات الداخلية والخارجية، مثل أي بلد عربي، لديه إثنيات وطوائف مختلفة.

في البدء حين وصولها إلى «منتجع الساحرات» أو موقف السيّارات والحافلات والمركبات، يأخذ بيدها عبد القيوم، يؤمِّن مكانها، ويساعدها في كل شيء يحتاجه الغريب والمهاجر والمقطوع، فتستأمن جانبه إلى حد ما، وتعجب به، رغم سماعها عنه الحكايات السيئة، فملفه الشخصي أسود وملوث بالشائعات واللصوصية والحوادث الغريبة، ولكنها لا تذهب فيما يريد أكثر من ذلك، حلم الانفراد، والإيقاع بها وحتى طلب الزواج منها، بيد أنها ورغم الطابور الكبير من العشاق الذين كوّنتهم عبر مسيرتها الطويلة مع الجمال، ستَعِدَه بأنها لن تكون في المستقبل، فيما لو حدث تطور نوعي في مسيرتها، إلا له، فهو الأقرب، والأكثر تطوّعاً لخدمتها، وتقديم ما تسعى إليه من معونة ومساعدة ونجدة، في مكان غير أليف ويحتاج إلى معاون وسنِّيد، يعي الموقف الذي هي فيه، موقف السيارات والسوَقة والعابرين إلى كل مكان، في هذا المكان المسمّى بورت سودان.

سيساق عبد القيوم إلى السجن، تحت أعين النظارة في موقف الباصات، وممن يعملون هناك ليل نهار، ومن ضمنهم الجميلة تسفاي، تلك التي خبرت الطرق المجاورة والبلدات المحاذية، وصارت تزور في خلواتها حي المرابيع الذي يكثر فيه المهاجرون من أبناء جلدتها، لتأكل طعام بلدتها وتشرب خمرها القوي وتستمع لأحاديث المهاجرين، وشؤون الحرب، وأخبار الناس الذين يفدون إلى هذا المكان المعروف بـ «منتجع الساحرات». في مساحة السجن، سيتعرّف عبد القيوم العامل في رش المُبيدات، على قمزحاي المهاجر الإريتيري، والذي يمتهن التسوّل كعمل مضطر اليه في أزمنة الهجرة والحروب والعطالة، وسَيتعرَّف على سيرته الوسخة هو الآخر، وعلى شخصيات ثانوية أخرى، مثل الفرّاش ولد الضبع، والضابط الجديد وهو غير الضابط السابق عمر الكرباج. هناك سيرى ذكرياته وسيرته ومذكراته القديمة مكتوبة على حائط السجن، لا تزال تنير أيامه الجديدة في السجن، وتعيد إليه بعضا من الماضي القذر في حياته المتوزعة بين الشرِّ والحب واللصوصية.

شخصية عبد القيوم تتأرجح بين السلبي والإيجابي، فهو عماد المكان كما وصفته إحداهنّ لعبد الباسط شجر. في السجن سيرى من هو قاتل ولص، مثل موسى النجري وعاصم ومانجو وأحمد عاطل وسفير رحال وغيرهم من رجال السوابق، والجميلة ستتذكره وتحن إليه، كونه الحامي والمساعد والصديق الذي حاول أن يؤويها في المكان إيّاه، بعد هروبها من «منتجع الساحرات» إلى حي المرابيع. سيكتشف ناهوم العرجا ذو الرائحة الكريهة، مكانها، سيأتيها، باحثاً عنها من قبل مرسله ورئيسه في العمل عبد الباسط شجر الذي خطبها، ولكنها هربتْ وتركتْ كل شيء إلى حي المرابيع الذي سيشهد قتلها على يد العرجا، بعد إغوائها بمكان تبيت فيه، هو شبه خرابة، هناك سيحدث القتل والاغتصاب، وعبد القيوم بعد خروجه من السجن، هو من سيستدل على القتيلة الإريتيرية التي أحبّها وحاول الوصول إليها، ولكن يد القدر كانت أسرع منه.

كتب أخري في مواضيع مشابهة

شارك الكتاب مع الأصدقاء

قم بتحميل الكتاب من موقعنا

رابط مباشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *